محمد داوود قيصري رومي

586

شرح فصوص الحكم

( لا ، بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ) . أضرب عن قوله : ( ما يحكم علينا الحق إلا بنا ) تأكيدا لما ذكره ، فقال : لا ، بل أعياننا يحكم علينا باستعداداتنا . فإن كل عين من الأعيان يطلب من الحق بلسان استعدادها أن يوجدها ويحكم عليها بحسب قابليتها ، فهي الحاكمة على الحق أن يحكم عليها بمقتضاها . ( ولكن فيه ) . أي ، في علم الحق . ( ولذلك قال تعالى : ( فلله الحجة البالغة ) يعنى على المحجوبين ) الذين لم يكشف لهم حقيقة الأمر على ما هو عليه . ( إذ قالوا للحق : لم فعلت بنا كذا وكذا ؟ مما لا يوافق أغراضهم . فيكشف ) . أي الحق ( لهم عن ساق ) . أي ، من شدة الأمر يوم القيامة ، أو عن أصل الأمر وحقيقته ، إذ ( ساق ) الشئ ما يقوم به الشئ ، وهو أصله المقوم إياه . ( وهو الأمر الذي كشفه العارفون هنا ) . أي ، في الدنيا . ( فيرون أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه ) أي حال الحجاب . ( أنه فعله ، وأن ذلك منهم ، فإنه ما علمهم إلا على ما هم عليه ) . أي ، من أعيانهم لا غير ، فما فعل بهم ما فعل إلا أنفسهم ، كما قال تعالى : ( وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . ولهذا السر قال إبراهيم ، صلوات الله عليه : ( بل فعله كبيرهم ) . حين قالوا له : ( ء أنت فعلت هذه بآلهتنا يا إبراهيم ) . فقوله ، عليه السلام ، حق في نفس الأمر ، لأن الأصنام بلسان حالهم استدعوا من باطنه ، عليه السلام ، إهلاكهم ، لعلمهم بمقام عبوديتهم وضلال عابديهم . وإنما نسب إلى نفسه الكذب - كما جاء في الحديث - لأن الفعل ما صدر من ذلك الصنم ظاهرا ، بل ظهر من نفسه ، والأنبياء مأمورون بالظواهر ، كما قال ، عليه السلام : ( نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ) . ( فتدحض حجتهم ) . أي ، تبطل حجة المحجوبين . ( وتبقى الحجة لله تعالى البالغة ) . أي ، تبقى الحجة البالغة لله تعالى عليهم . ( فإن قلت : فما فائدة قوله : ( فلو شاء لهديكم أجمعين ) . قلنا : ( لو ) حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ، ولكن عين الممكن قابل للشئ ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين وقع ، فذلك هو الذي عليه الممكن في